تحقيق الرهن

 

مقدمة:

إذا كان تمويل الاستثمارات يتطلب أموالا ضخمة فإنه أصبح من الضروري على المستثمرين اللجوء إلى الاقتراض من المؤسسات المالية، هذه الأخيرة التي تشترط تقديم ضمانات كافية للاطمئنان على استر داد ديونها.

لذا فإن مسألة منح القروض من طرف المؤسسات البنكية لا تتأتى إلى كل من يطلبها، بل ينبني تقديمها على ثقة أكيدة للمؤسسة مانحة القروض في شخص طالب الائتمان.

 

وإذا كان المشرع المغربي قد أقر فكرة الضمان العام[1] وما يتفرع عنها من وسائل وإجراءات تحفظية أو تنفيذية لتمكين الدائن العادي من حماية حقه في حالة المساس به من قبل المدين فإن ذلك لا يكفي لبعث الاطمئنان في نفوس الدائنين. والحرس على صيانة حقوقهم[2] خصوصا مع القصور الذي أبانت عنه فكرة الضمان العام، الشيء الذي يدفع به إلى البحث عن ضمان خاص يقوي به مركزه القانوني.

لذا كان اللجوء إلى الضمانات العينية حلا لا مناص منه لتمكين الدائن من اقتضاء دينه من المال المخصص كضمان له حتى ولو تصرف فيه المدين بأي نوع من أنواع التصرف.[3]

لهذه الغاية ظهرت فكرة الرهن الرسمي كإحدى الوسائل القانونية التي تمنح الدائن ضمانا خاصا يدعم ثقة المدين، كما يسعف هذا الأخير في الحصول على ما يحتاجه من تمويلات تمكنه من تحقيق أهدافه وإنجاز مشاريعه، ولعل الجهود جارية اليوم من أجل تحيين وعصرنة هذه التقنية القانونية قصد مواكبة متطلبات العصر لذلك أصبحنا نسمع في السنوات الأخيرة عن تقنيات أكثر تطورا وفعالية و كتسنيد الديون الرهنية مثلا.

من هنا يظهر أن الرهن الرسمي كضمانة للحصول على الأموال اللازمة أصبح ضرورة ملحة للكل والملاحظ أن إمكانية حصول المؤسسات المالية على ديونها يعرف العديد من المشاكل التي تساهم في تأخير عملية تحصيل الديون، فكل دائن يرغب في تحصيل دينه بطريقة ودية، دون اللجوء إلى المساطر القضائية التي تتطلب وقتا طويلا ومصاريف إضافية، إلا أن الأمر لا يمر دوما عبر الطريق الودي إذ أن بعض المدينين لا تسعفهم الظروف لأداء ديونهم في الوقت المحدد نتيجة المخاطر التي ينطوي عليها النشاط الاقتصادي مما يجعل الدائن مضطرا لسلوك مسطرة البيع القضائي للعقار المرهون لاقتضاء دينه،[4] وهذا ما يعرف بتحقيق الرهن الرسمي.

وتحقيق الرهن الرسمي هذا يطرح عدة إشكاليات سواء من الناحية القانونية أو العملية أو الاقتصادية.

فمن الناحية القانونية يجد تحقيق الرهن الرسمي مرجعيته في نصوص متفرقة سواء في ظهير 12 غشت 1913 بشأن التحفيظ العقاري وظهير 2 يونيو 1915 المتعلق بالتشريع المطبق على العقارات المحفظة أو قانون المسطرة المدنية أو المرسوم الملكي بمثابة قانون الصادر في 17 دجنبر 1968 المتعلق بالقرض العقاري والقرض والفندقي وقروض البناء وقانون الالتزامات والعقود متى أثيرت مسألة موضوعية كالوفاء بالدين.

ومن الناحية العملية قد تشوب مسطرة تحقيق الرهن الرسمي صعوبات تعترض الدائن المرتهن في اقتضاء حقوقه، مما يحول دون تمكين المؤسسات البنكية من الحصول على أموالها بسرعة مما ينعكس على سيولتها المالية.

أما من الناحية الاقتصادية فإن تأثر مركز الدائن المرتهن (البنك عادة) لعدم استخلاصه لديونه قد يؤدي إلى فقدان الثقة في الائتمان الذي يشكل العمود الفقري للنشاط الاقتصادي، فإذا لم يتمكن الدائن المرتهن من استيفاء دينه في الوقت المحدد فإن ذلك سيؤثر لا محالة في[5] المحيط الاقتصادي الذي يتعامل فيه خصوصا إذا علمنا أن هذا الدائن قد يكون مدينا لغيره وملتزما تجاهه.

كل هذه الإشكاليات تجعل موضوع تحقيق الرهن الرسمي من المواضيع الجديرة بالبحث والنقاش.

وجدير بالذكر أنه نظرا للصعوبات العملية التي تعترض مسطرة تحقيق الرهن الرسمي فإن المؤسسات المالية لا تلجأ إلى هذه المسطرة بمجرد حلول الأجل وتوقف المدين عن الدفع، ولكنها تقوم بعدة محاولات حبية لاستخلاص دينها، أو على الأقل لإعادة جدولتها عند الاقتضاء.

وتتجلى هذه المحاولات في توجيه رسائل إلى المدين أو الكفيل، وإعطاء مهل إضافية إذا تبين لها بأن زبناءها يمرون بأزمات عابرة أو أن عدم الوفاء بالدين يرجع إلى قوة قاهرة خارجة عن إرادة المدين.[6]

لكن إذا لم تسفر كل هذه المساعي على أي نتيجة يصبح سلوك مسطرة تحقيق الرهن الرسمي أمرا محتوما وخيارا وحيدا في مواجهة المدين.[7]

فإلى أي حد كانت مسطرة تحقيق الرهن كفيلة بحماية حقوق الدائن والمدين والغير؟

هذا الإشكال – الذي تتفرع عنه عدة إشكاليات هو الذي سيكون موضوع مناقشة في هذا البحث المتواضع الذي ارتأينا تقسيمه إلى مبحثين، نناقش في الأول: إجراءات وضع العقار تحت يد القضاء والمراحل الممهدة للبيع، على أن نخصص الثاني لإجراءات البيع والآثار المترتبة عنها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول: وضع العقار تحت يد القضاء والتمهيد لبيعه

تبدأ مسطرة تحقيق الرهن بوضع العقار المرهون تحت يد القضاء (المطلب الأول) قبل أن يتم الشروع في إعداده للبيع (المطلب الثاني).

المطلب الأول: وضع العقار تحت يد القضاء

إن القاعدة العامة هي أن أموال المدين ضمان عام لدائنيه حيث يتم التنفيذ على المنقولات ثم بعد ذلك تليها العقارات تطبيقا لمقتضيات الفصل 469 من قانون المسطرة المدنية الذي نص على ما يلي: "لا يقع البيع الجبري للعقار إلا عند عدم كفاية المنقولات عدا إذا كان المدين مستفيد من ضمان عيني"، في هذه الحالة الأخيرة يتم التنفيذ على العقار مباشرة قبل المنقول بل وعلى عقار معين دون غيره من العقارات احتراما لإرادة المرتهن المضمنة في العقد المبرم بينهما[8] وتطبيقا للمقتضيات المنظمة للرهن الرسمي[9]، وحتى يتمكن الدائن المرتهن من التنفيذ على العقار لابد من إتباع إجراءات مسطرية تتمثل فيما يلي:

- سلوك مسطرة الإنذار العقاري.

- الحجز التنفيذي للعقار.

ونظرا لأهمية هذه المراحل ارتأينا أن نقف عند كل واحدة منهما.

 

 

الفقرة الأولى: توجيه الإنذار العقاري:

لما كانت الغاية من الرهن الرسمي العقاري هي ضمان حق الدائن المرتهن في استرداد دينه المضمون بالرهن عند حلول أجله، فإن اللجوء إلى هذه المسطرة يقتضي بالضرورة إثبات تماطل المدين.[10]

ويقضي منا الإلمام بهذه الفقرة، التطرق للطبيعة القانونية للإنذار العقاري وشكلياته على أن نقف على الشهادة الخاصة بالرهن.

أولا: الطبيعة القانونية للإنذار العقاري وشكلياته:

1- الطبيعة القانوني للإنذار العقاري:

إن المقصود من تحديد الطبيعة القانونية هو معرفة ما إذا كان هذا الأخير يعد بمثابة إجراء تنفيذي وبالتالي يرتب بمفرده آثار الحجز التنفيذي على العقار، أم أنه مجرد مقدمة من مقدمات التنفيذ بحيث يتعين القيام بإجراء آخر لأجل ترتيب هذه الآثار؟

لم تستقر آراء الفقه بهذا الخصوص على رأي موحد في هذا الإطار ففي الوقت الذي ذهب اتجها من الفقه،[11] إلى أن الإنذار العقاري ما هو إلا مجرد تنبيه بنزع الملكية، وأن إجراءات الحجز العقاري لا تباشر إلا بعد بقاء الإنذار العقاري بدون أثر وبأن الطعن في الإنذار العقاري لا يؤدي تلقائيا إلى إيقاف إجراءات بيع العقار المحجوز، وأن القول بان الإنذار العقاري يدخل في زمرة إجراءات الحجز العقاري هو تنكر للفصول المنظمة لهذه الإجراءات والمشار إليها في قانون المسطرة المدنية (الفصول من  469 إلى 487).

وبهذا يكون قد اعتبر الإنذار العقاري إجراء من الإجراءات الممهدة لعملية التنفيذ.

لكن هناك اتجاه آخر من الفقه المغربي يذهب إلى أن الإنذار العقاري يعد إجراء من إجراءات التنفيذ، بل إنه يعتبره بمثابة حجز، إذ أنه يحول من جهة دون مباشرة أي تسجيل جديد بشأن العقار، ويحول من جهة أخرى دون التصرف فيه، ويعزز موقفة بمقتضيات مرسوم 17 دجنبر 1968 المتعلق بالقرض العقاري والقرض الخاص بالبناء والقرض الفندقي والتي تجعل من الإنذار العقاري حجزا عقاريا.

أما الاتجاه الثالث فيرى بأن كل من الإنذار العقاري ومحضر الحجز لا يشكلان سوى عملا واحدا مبررا قوله بأنه قانون المسطرة المدنية لا يتضمن أي إشارة إلى الإنذار العقاري وأنه يعرف مقابل ذلك محضر الحجز.[12]

ونحن نميل إلى الاتجاه الثاني لكن بتحفظ، حيث نعتبر الإنذار العقاري بمثابة حجز فقط في الحالة المنصوص عليها في الفصل 61 من المرسوم الملكي المؤرخ في 17 دجنبر 1968 المتعلق بالقرض العقاري والقرض الخاص بالبناء والقرض الفندقي حيث نص هذا الفصل على ما يلي: "... ويعتبر الإنذار المذكور وحده بمثابة حجز عقاري خلافا للقواعد العامة المتعلقة بالتفويض في الاختصاص بميدان الحجز العقاري".

أما في غير ما هو وراد في هذا الفصل فالإنذار العقاري في نظرنا ليس بحجز لأن هذا النص يبدوا لنا أنه استثناء والاستثناء حالة شاذة والشاذ لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره، ولا يبقى في نظرنا أمام باقي الدائنين غير المستفيدين من مقتضيات هذا الفصل، من بد سوى الخضوع لمقتضيات قانون المسطرة المدنية باعتبارها القانون العام الإجرائي والتي لا تعتبر الإنذار العقاري حجزا، وتؤكد على ضرورة اللجوء إلى مكتب التنفيذ والبيوعات بالمحكمة من أجل تحويل الإنذار العقاري إلى حجز تنفيذي.

هذا فيما يتعلق بالطبيعة القانونية للإنذار فما هي الشكليات الواجب توفرها في هذا الأخير.

2- شكليات الإنذار:

ينص الفصل 205 من ظهير 2 يونيو 1915 على ما يلي: "إن الإعذار المذكور في الفصل 440 من قانون المسطرة المدنية ينص فيه لزوما على اسم العقار أو العقارات المحفظة التي سيجري بيعها في حالة الأداء ورقم رسمها ومكانها".

وانطلاقا من هذا النص يتبين أن المشرع المغربي حدد البيانات التي يتضمنها هذا الإنذار والمتمثلة في اسم العقار، أو العقارات التي سيجري بيعها في حالة عدم الأداء ورقم رسمها العقاري/ ومكانها، لكن هذه البيانات تبدوا غير كافية لذا فهناك شبه إجماع بين الفقه والقضاء على عدة بيانات يتعين تضمينها بالإنذار العقاري وهي:

أ- السند التنفيذي المعتمد في توجيه الإنذار (الشهادة الخاصة بالرهن في هذه الحالة).

ب- تحديد مجموع الدين المطلوب أداءه بما في ذلك الفوائد القانونية والاتفاقية وكافة المصاريف المترتبة إلى غاية توجيه الإنذار.

ج- مشمولات العقار أو العقارات المرهونة.

د- أسماء وهوية كافة الأطراف وعناوينهم (الدائن، المدين، الكفيل العيني، الحائز إن لم يكن المالك نفسه).

هـ- تعزيز الإنذار ببعض المستندات (نسخة من عقد الرهن، نسخة من الشهادة الخاصة، نسخة من الكمبيالات والسندات التي لم يتم تسديدها).

و- تحديد أجل للوفاء.[13]

ثانيا: الشهادة الخاصة بالرهن:

تعتبر الشهادة الخاصة بالرهن هي الوثيقة الأساسية التي تعتمد عليها مسطرة تحقيق الرهن الرسمي، فهي تغني عن اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم باداء الدين، وقد أشار الفصل 58 من ظهير 12 غشت 1913 إلى هذه الشهادة بنصه على الآتي: " للمالك دون غيره الحق في أخذ نسخة صحيحة تامة من رسم الملك ومن الخريطة المضافة إليه.

وتحمل هذه النسخة اسم المالك ويشهد المحافظ بصحتها بإمضائه ووضع طابع المحافظة عليها.

أما باقي المعنيين فليس لهم الحق إلا في تسليم شهادة خاصة".

فالمشرع في هذا الفصل اكتفى بالإشارة إلى هذه الشهادة دون تحديد مفهومها.

مما حدا بالأستاذ محمد سلام إلى القول بأن الشهادة الخاصة المنصوص عليها في الفصل 58 هي الشهادة التي تتسلم للدائن المرتهن وحده وتمنحه حق بيع العقار المرهون عند عدم الوفاء بالدين، ومضمونها أن المحافظ المختص يشهد بأنه قام بتضمين عقد الرهن الرسمي الخاص بالعقار المرهون، وتشمل على عدة بيانات، تتمثل في أطراف عقد الرهن مبلغ الدين وفوائده، ويشار فيها إلى أنها سلمت لدائن قصد التنفيذ.[14]

ولما كانت الشهادة الخاصة بالرهن بمثابة سند تنفيذي فهل تديل بالصيغة التنفيذية شأنها في ذلك شأن الأحكام الأجنبية مثلا أم لا؟ وهل يمكن إعطاء نسخة أخرى منها عند تلفها أو ضياعها؟ وما هي الإجراءات الواجب إتباعها من أجل قبض نسخة منها، هل يتبع المعني بالأمر المقتضيات المنصوص عليها في الفصول 101 إلى 103 من ظهير 12 غشت 1913 أم الفصل 435 من قانون المسطرة المدنية؟

للجواب عن هذه الأسئلة يرى الأستاذ محمد سلام من جهة بأنه لا ضرورة لوضع الصيغة التنفيذية على الشهادة الخاصة بالرهن لأن المشرع لم يشترط ذلك، ومن جهة أخرى يرى بأنه لا يوجد ما يمنعه من تطبيق مقتضيات الفصول من 101 إلى 103 من ظهير التحفيظ العقاري لأن ضياع هذه الشهادة – في نظره – ليس إعذار من شأنه أن يؤدي إلى ضياع حقوق الدائن، ويبرر ذلك بكون مجال التعرض مفتوحا أمام المدين للتعرض على هذا التسليم كما أن رفض المحافظ لهذا التسليم قابل للطعن فيه أمام المحكمة مما يخلص معه إلى أن العبارة التالية المضمنة بأسفل الشهادة لا أثر لها: "لا يمكن تسليم أي نسخة أخرى من هذه الشهادة".[15]

أما الأستاذ محمد فركت فيذهب عكس الاتجاه الذي صار فيه الأستاذ محمد سلام ويرى بضرورة سلوك الإجراءات المنصوص عليها في الفصل 435 من قانون المسطرة المدنية والمتعلقة بتسليم نسخة ثانية من النسخة التنفيذية من طرف رئيس المحكمة بأمر استعجالي بعد استدعاء جميع ذوي المصلحة.[16]

وفي منظورنا المتواضع نرى بضرورة سلوك الإجراءات المنصوص عليها في الفصول من 101 إلى 103 من ظهير التحفيظ العقاري وسندنا في ذلك القاعدة القائلة بأن الفرع يتبع الأصل فمادام المحافظ – وهو ليس بجهة قضائية – هو الذي سلم هذه الشهادة الأصلية وبالتالي فما المانع من تسليم نسخة من هذه الشهادة في حالة الضياع شأنها في ذلك شأن باقي النسخ المسلمة من طرف المحافظ.

 

ثانيا: الحجز التنفيذي للعقار:

قبل الحديث عن إجراءات الحجز التنفيذي لابد أن نشير إلى تضارب الاتجاهات الفقهية في هذا الصدد ففي الوقت الذي ذهب فيه جانب من الفقه إلى القول بأن الإنذار العقاري يقوم مقام الحجز التحفظي وبالتالي يتحول بصفة تلقائية إلى حجز تنفيذي عقاري في حالة عدم الوفاء بالدين.[17]

يرى البعض الآخر بضرورة القيام بإجراءات الحجز التنفيذي بالرغم من توجيه وتبليغ الإنذار العقاري بمعنى أن الإنذار العقاري لا يتحول لوحده إلى حجز تنفيذي إلا في حالة استثنائية منصوص عليها بصريح النص في الفصل 61 من المرسم الملكي الصادر في 17 دجنبر 1968 بشأن القرض العقاري.[18]

ونحن نميل إلى هذا الاتجاه كما سبق وبينا عند حديثنا عن الطبيعة القانونية للإنذار العقاري.

لذا فلابد – في نظرنا – من سلوك إجراءات الحجز العقاري التي تبدأ بانتقال عون التنفيذ إلى العقار المطلوب حجزه، ومعاينته، وتحرير محضر الحجز، ويقوم بتبليغ هذا المحضر إلى المدين قصد غل يده عن التصرف في العقار موضوع الحجز، كما يجب تبليغ هذا الحجز إلى المحافظ العقاري الذي يقوم بتضمينه بالصك العقاري قصد الاطلاع عليه من طرف العموم،ـ كما أنه يمنع على المحافظ تضمين أي تصرف بالرسم العقاري إلى حين رفع الحجز، وإذا كان حائز العقار غير المالك فلا بد من تبليغه أيضا بمحضر الحجز وهذا التبليغ يعد بمثابة حجز للسومة الكرائية إذا كان الحائز مكتريا بحيث يجب عليه إيداعها بصندوق المحكمة أو إلى عون التنفيذ لتضاف إلى منتوج البيع كما يقضي بذلك الفصل 475 من قانون المسطرة المدنية، وإذا كان الحائز كفيلا فإنه يبلغ بهذا المحضر ليسلك أحد الطريقتين – إذا لم يكن يريد المنازعة في إجراءات الحجز – إما أداء الدين أو التخلي عن العقار المحجوز، كما يبلغه إلى الشركاء طبقا للفصل  473 من قاون المسطرة المدنية رغم أن هذا الفصل لا يكتسي صبغة الإلزام.

الفقرة الثانية: المرحلة الممهدة للبيع بالمزاد العلني:

يمثل بيع العقار بالمزاد العلني، الغاية التي يرمي إليها الدائن من سلوك مسطرة تحقيق الرهن – إن لم نقل اللجوء إلى عقد الرهن برمته – على العقار المرهون إذ تمكنه عملية البيع من اقتضاء مبلغ الدين من ناتج عملية البيع،[19] لكن الملاحظ أن عملية حجز العقار تنفيذيا لا تكفي لبيعه بالمزاد العلني بل لابد من القيام بعدة إجراءات تكون ضرورية لإعداد العقار للبيع وفي مقدمتها ضبط وثائق ملكية العقار ووظيفته القانونية والواقعية خصوصا إذا علمنا أن المالك الأصلي هو الذي يتوفر على نسخة صحيحة وتامة من الرسم العقاري أما ما دون ذلك فلا يتوفرون سوى على نسخة، وبعد ضبط ملكية العقار وتحرير وضعيته القانونية والواقعية يتم الشروع في تحديد الثمن الأساسي لبيعه بواسطة خبير يكون دوره هو تحديد ثمن انطلاق المزاد، وبإنهاء الخبرة يعلن الخبير عن الثمن الافتتاحي للمزاد الذي ينقلنا إلى مرحلة إعداد دفتر التحملات وإشهار البيع، حيث أنه لا يتم الشروع في البيع إلا بعد إعداد دفتر التحملات تحدد فيه شروط البيع بما فيها الثمن الافتتاحي المحدد من طرف الخبير وكذا جميع مرافق العقار ومحتوياته والتكاليف التي يتحمل بها ويتم إشهار هذه الشروط العموم بكافة الوسائل القانونية سواء عن طريق التعلق في المحكمة أو في باب منزل المحجوز عليه أو على العقار المحجوز أو بالإشهار عن طريق وسائل الإعلام، أو غيرها من الوسائل وبعد ذلك يتم استدعاء الأطراف المعنيين للحضور لجلسة المزاد العلني، حيث أن عملية البيع تقتضي استدعاء مجموعة من الأشخاص وهم المدين المجوز عليه، والدائن طالب الحجز الذي يتابع إجراءات البيع لتحصيل دينه، والدائنين الآخرين المقيدين بالرسم العقاري، وشركاء المدين على الشياع، وحائز العقار أو الكفيل العيني والراغبين في الشراء الذين قدموا عروضهم، لعون التنفيذ بكتابة الضبط قبل تاريخ المزاد.[20]

لذلك كان لزاما على عون التنفيذ أن يبادر إلى تبليغ هؤلاء بيوم البيع وضمن آجال معقول.

المبحث الثاني: بيع العقار بالمزاد العلني والآثار المترتبة عن هذا البيع

عند حلول اليوم والساعة المحدد للبيع بالمزاد العلني يقوم عون التنفيذ بالتوجه لقاعة البيوعات، ويتأكد من عدم قيام المدين أو الكفيل أو الحائز المتخلي بأداء الدين إلى غاية البيع، ثم يفتح المزاد من أجل البيع (المطلب الأول) هذا البيع الذي تترب عنه آثار غاية في الأهمية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: البيع بالمزاد العلني:

في اليوم المحدد للبيع يتأكد عون التنفيذ مما إذا كان الملزم أو الحائز أو الكفيل قد أدى الثمن، ثم يذكر الحاضرين بالعقار المعروض للبيع وبالتكاليف التي يتحملها والثمن الأساسي المحدد لانطلاق المزاد وكافة شروط البيع المفصلة بدفتر التحملات ثم يذكر بالعروض التي قدمت إليه بكتابة الضبط إن حدث ذلك بالفعل، وإذا كان أحد هذه العروض يفوق الثمن الأساسي يتأكد العون المكلف بالتنفيذ من حضور صاحب هذا الثمن، وسواء حظر هذا الشخص أو لم يحضر فإنه يبدأ افتتاح المزاد بالعرض المقدم لا من الثمن الأساسي للعقار.

وبعد حصر لائحة الأشخاص الراغبين في المشاركة في المزاد فإن عون التنفيذ يشرع في المناداة بالبيع انطلاقا من الثمن الأساسي ومن أعلى عرض قدم لكتابة الضبط إذا كان يفوقه، ويفتح العون المزايدة التي تبقى مستمرة إلى حين توقف المتزايدين عن تقديم العروض يعلن العون عن انتهاء المزاد ويحرر محضر بذلك ويعرض الأمر على رئيس المحكمة بصفته المشرف على إجراءات التنفيذ والذي يأذن في إبرام البيع وإرساء المزاد إذا كان العرض يفوق الثمن الأساسي ويناسب قيمة وأهمية العقار، في حين يأمر بإعادة البيع في تاريخ لاحق إذا لم يبلغ العرض الثمن الافتتاحي أو إذا لم يتقدم أي عرض بل وحتى في الحالة التي يقدم فيها عرض واحد بنفس الثمن الأساسي أو يفوق المبلغ الأساسي بثمن زهيد يظهر أنه غير كاف، وقد يتم تأجيل البيع عندما يصدر رئيس المحكمة أمر قضائي يمنح بموجبه أجلا للمدين.

وفي جميع الحالات فإن الأمر الصادر عن رئيس المحكمة بتأجيل البيع يكون معللا متضمنا للأسباب المبررة لهذا التأجيل طبقا للفصل 478 من قانون المسطرة المدنية[21] بحيث تعاد السمسرة في هذه الحالة، كما أن المشرع سمح في حالة تقديم عرض بزيادة السدس حيث خول المشرع في الفصل 479 من قانون المسطرة المدنية لكل شخص مكنه المطالبة بإعادة السمسرة شريطة أن يقدم عرضا أو زيادة بمقدار السدس من قيمة الثمن الذي رسا به المزاد والمصاريف وأن يقدم عرضه داخل أجل عشرة أيام من تاريخ السمسرة. كما تعاد السمسرة أيضا في حالة عدم أداء الراسي عليه المزاد ثمن الشراء بحيث أن هذا الأخير يتمتع بأجل عشرة أيام من تاريخ رسو المزاد، فإذا لم ينفذ التزامه أنذر بذلك، ومنح أجلا إضافيا يماثل الأجل الأول وهو عشرة أيام لتفادي إعادة السمسرة، وفي حالة عدم أداء الثمن بعد هذه الإنذارات تعاد السمسرة على أن يتحمل الفرق.[22]

وفي جميع الأحوال يقوم عون التنفيذ بتحرير محضر المزاد بعد انتهاء السمسرة وطبقا للفصل 480 فإن هذا المحضر يجب أن تذكر فيه أسباب الحجز العقاري والإجراءات المتبعة، وإرساء المزايدة التي تمت دون ذكر أي بيانات أخرى ولأجل سد هذا الفراغ تدخلت وزارة العدل وأعدت نموذجا وضعته بين يدي كتابة الضبط يتضمن البيانات الواجب تضمينها بمحضر المزاد وهي:

 

1-   اسم عون التنفيذ وتوقيعه؛

2-   ذكر اسم السند التنفيذي الذي وقع بيع العقار استنادا إليه وتاريخه ورقمع ومصدره؛

3-   اسم الدائن الجاري لفائدته التنفيذ أو نائبه؛

4-   اسم المدين المحجوز عليه؛

5-   اسم مختلف المتزايدين؛

6-   الثمن المحصل عليه مع ذكر من رسى عليه المزاد؛

7-   أسباب الحجز والمسطرة وكذا شروط السمسرة إلى أن المزاد على مقدم أكبر ثمن؛

8-   توقيع المحضر من طرف المشتري أو من ينوب عنه.

ويرتب محضر المزاد آثار غاية في الأهمية، لعل أبرزها نقل الملكية لراسي عليه المزاد.

المطلب الثاني: آثار البيع بالمزاد العلني:

يترتب عن البيع بالمزاد العلني انتقال ملكية العقار المبيع مطهرا من جميع الرهون والحجوزات المشار إليها في كناش التحملات  لفائدة الراسي عليه المزاد كما أنه يبرئ ذمة المدين بعد استيفاء الدائن لدينه وفي حالة ما إذا لم يكف الثمن فإنه يحق للدائن التنفيذ على باقي الأموال كما أنه يرتهن آثار بالنسبة للشركاء

الفقرة الأولى: آثار البيع بالنسبة للمشتري

معلوم أن البيع بالمزاد العلني يرتب آثارا هامة فمن جهة يكسب المشتري حقوقا لعل من أهمها حق الملكية ومما يترتب عنه من تفرعات، ومن جهة أخرى يرتب عليه التزامات يجب أن يتحملها.

 

 

 

أولا: حقوق الراسي عليه المزاد:

إن البيع بالمزاد العلني ينقل إلى الراسي عليه المزاد  حق الملكية وجميع الامتيازات التي يخولها هذا الحق سواء استغلال أو استعمال أو تصرف.[23]

وقد أثير التساؤل حول ما إذا كان محضر المزاد بمثابة عقد أم لا ؟

فحول الطبيعة القانونية لمحضر المزاد فقد اعتبره عبد العزيز توفيق، بمثابة عقد بيع تنتقل بمجرد تسليمه للراسي عليه المزاد جميع حقوق المشتري في البيع الرضائي بعد أدائه للثمن ويعتبر في هذه الحالة خلفا خاصا للمحجوز عليه،[24] في حين ذهب محمد سلام إلى اعتباره بيعا قضائيا معتبرا بأن جلسة المزاد هي مجلس العقد يحل فيها عون التنفيذ محل البائع وينوب عنه في البيع جبرا لذلك اعتبر السند الناقل للملكية هو الحكم القضائي.[25] هذا في الوقت الذي اعتبره محمد خيري أمر ولائي صادر عن رئيس المحكمة بصفته تلك لكونه هو الساهر على إجراءات البيع، وتبعا لذلك يؤكد على أن المحضر الناقل للملكية يتمتع بطبيعة الأحكام من حيث أنه حجة كاملة في مواجهة أطراف الحجز.[26]

وقد تدخل المجلس الأعلى واعتبره سند ملكية لفائدة الراسي عليه المزاد ينقل إليه جميع حقوق البائع على العقار، وهو عقد كتابي ثابت التاريخ.[27]

وجدير بالملاحظة أن الراسي عليه المزاد باعتباره مشتريا فإن البيع بالمزاد العلني يخوله تسليم العقار وباقي ملحقاته سواء كانت عقارات بالتخصيص أو عقارات بالمآل، أما فيما يخص حق الراسي عليه المزاد المطالبة بضمان العيوب الخفية فليس له محل في البيوعات القضائية، وذلك بصريح الفصل 575 من قانون الالتزامات والعقود حفاظا على استقرار البيع الجبري الذي يتم علانية وتحت إشراف ورقابة القضاء، وذلك نظرا لأن هذا البيع يشتهر بمختلف وسائل الإشهار التي تجعل الراغب في المشاركة في المزاد على علم مسبق بحقيقة العقار المزاد بيعه قبل الإقدام على المزاد.[28]

ثانيا: التزامات الراسي عليه المزاد:

لكي يتمتع الراسي عليه المزاد بالحقوق التي بنينا يجب عليه تحمل التزامين يتمثل الأول في إيداع ثمن الشراء والمصاريف بصندوق المحكمة بينا يتمثل الثاني تسلم العقار مثقلا بالتحملات المفروضة عليه.

1- أداء ثمن الشراء والمصاريف:

إن أهم التزام يقع على عاتق الراسي عليه المزاد هو أداء ثمن البيع والمصاريف المتمثلة في المصاريف القضائية التي تؤدي بصندوق المحكمة و من ثمن التسجيل، وكذا رسوم التسجيل  إذا كان المحل سيخصص للسكنى الشخصية للمتزايد وإلا فيؤدي الضعف  وأخيرا واجبات المحافظة العقارية

أما بقية المصاريف كمصاريف الإشهار وأتعاب الخبراء وأجرة الحراسة فيؤديها، المنفذ على العقار على أن يستخلصها من ثمن البيع لأنها دين ممتاز كما نص على ذلك الفصل 155.[29]

لكن ما العمل في حالة عدم أداء الراسي عليه المزاد الثمن في الأجل المحدد هل يجبر على ذلك؟

بقراءة للفصل 480 الذي يجعل من المزاد سند للملكية قد يتبادر إلى الذهن بأن الحل الوحيد هو إلزام الراسي عليه المزاد بأداء الثمن جبرا، إلا أن الفصل 485 من قانون المسطرة المدنية تبنى حلا آخر، وهو إعذار المدين بالثمن بالأداء فإن بقي هذا الإعذار بدون أداء بعد مرور عشرة أيام يعاد البيع تحت مسؤوليته.

2- تحمل الالتزامات الواقعة على العقار

يبقى الراسي عليه المزاد ملتزما بجميع التحملات الواقعة على العقار وملزما بتنفيذها وفق نفس الشروط التي كان قد التزم بها سلفه ومن أمثلة هذه الالتزامات تحمل عقود الأكرية العالقة بالعقار، حيث أن المركز القانوني للمكتري لا يتأثر نتيجة تغير المالك للعقار بعد بيعه جبرا. والسند التشريعي في ذلك هو مقتضيات الفصل 694 من قانون الالتزامات والعقود، حيث يستفاد من هذا الفصل بأن عقود الكراء المبرمة بين المكري والمالك السابق تستمر في مواجهة الراسي عليه المزاد ويحتج عليه بها شريطة أن يكون العقد مبرما بدون غش، وأن يكون تاريخ الكراء سابق عن تاريخ التفويت.

الفقرة الثانية: آثار البيع بالنسبة لباقي الأطراف

يترتب عن البيع براءة ذمة المنفذ عليه (أولا)، إذا كان الدين كاف لسداد الديون أما إذا لم يكف فإنه يحق للدائنين التنفيذ على الأموال الأخرى (ثانيا) مع مراعاة حقوق باقي شركاء المدين (ثالثا).

أولا: آثار البيع بالنسبة للمنفذ عليه:

يترتب على البيع انتقال العقار بجميع توابعه للراسي عليه المزاد على نحو لا تبقى معه للمنفذ عليه أي سلطة على العقار، وبالتالي يصبح سكنه للمنزل مجرد من أي سند قانوني، مما يحقق معه للمالك الجديد اللجوء إلى قاضي المستعجلات من أجل طرده على اعتبار أنه محتل بدون سند، كما لا يصح له التصرف فيه بأي نوع من أنواع التصرف على اعتبار أنه أجنبي عن العقار، وكل تصرف قام به في هذا الصدد يعتبر تصرف في غير ملكه تسري عليه أحكام التصرف في ملك الغير.[30]

بالإضافة إلى ذلك فإن ذمته تبرأ من الدين متى كانت حصيلة التنفيذ كافية لتغطية كل الدين ويحق له أيضا سحب المبلغ المتبقي من صندوق المحكمة، أما إذا لم تكن كافية فهنا يجب التمييز بين ما إذا كان الحجز جاري على أموال المدين أو على أموال الكفيل العيني.

في الحالة الأولى يمكن للدائن أن يباشر إجراءات التنفيذ الجبري ضد باقي أموال المدين، على اعتبار أن أموال المدين ضمان عام لدائنيه.

أما في الحالة الثانية فإن ذمة الكفيل العيني تبرأ نتيجة لبيع العقار المرهون، ولا يمكن تمديد إجراءات التنفيذ الجبري لباقي أمواله، لأنه لا يضمن الدين إلا في حدود الضمانة العينية المقدمة من طرفه لا من جميع ذمته المالية، عكس الكفيل الشخصي الذي يضمن أداء الدين بجميع أمواله الشخصية.

ثانيا: آثار البيع بالنسبة للدائنين:

إن الغاية من سلوك كافة إجراءات التنفيذ الجبري هي استيفاء الدين الذي تقاعس المدين عن الوفاء به رضاء، حيث أنه بعد بيع العقار يستوفي كل دائن دينه من ثمن العقار وعند التزاحم يتم التوزيع بطريقة قسمة الغرماء ما لم لتوجد بينهم أسباب قانونية للأولوية، حيث يتم التوزيع والحالة هذه وفق الأحكام المنظمة للامتيازات.

مع الإشارة إلى أن البيع يطهر العقار من الحجز الواقع عليه لكن هذا التطهير لا يمس بحقوق باقي الدائنين بل تنتقل إلى الثمن فإن لم يكن الثمن كافيا فإن الدائنين يملكون سلطة التنفيذ على باقي أموال المدين لتحصيل باقي الدين المتخلد بذمته.

 

ثالثا: آثار البيع في مواجهة الشركاء:

إذا كان العقار المنفذ عليه مشاعا، فإن التنفيذ على هذا العقار إنما يشمل حصة المدين الشريك ولا ينتقل إلى حصص باقي الشركاء وعليه فإذا ما تم البيع الجبري لقعار مشاع اقتضاء للدين المتخلد في ذمة أحدهم، فإنه لا يحق له سوى أخذ حصة الشريك المنفذ عليه ولا حق له في الباقي لأنه مال خالص لشركاء المدين المنفذ عليه ولا يمكن لهؤلاء الشركاء أن يضاروا في أموالهم الخاصة من عملية التنفيذ.

وفي المقابل فإن عملية البيع بالمزاد العلني تنحصر في حصة الشريك المنفذ عليه وحدها، وبالتالي فإن بيعها يؤدي إلى حلول الراسي عليه المزاد باعتباره أجنبيا محل المنفذ عليه، ودخول هذا الأجنبي قد يؤدي إلى الإضرار بمصالح الشركاء.

لذا يحق لنا التساؤل – والحالة هذه – عن مدى أحقية الشركاء في ممارسة الشفعة في البيوعات الجبرية الواقعة عن طريق المزاد العلني؟

للإجابة عن هذا التساؤل انقسم الفقه المغربي إلى ثلاث اتجاهات :

فبينما يرى جانب من الفقه بعدم جواز الأخذ بالشفعة في البيع بالمزاد العلني مستند في ذلك على مقتضيات الفصل 473 التي تشير إلى إخطار الشريك بالبيوعات الجبرية وهذا الإخطار – في نظر أنصار هذا الاتجاه – حجة عليه في عدم نيته في الأخذ  بالشفعة، مضيفين أيضا أن الشفعة تكون في البيوعات الرضائية فقط لأنه لا توجد أي إشارة سواء في قانون الالتزامات والعقود أو ظهير 2 يونيو 1915 بشأن التشريع المطبق على العقارات المحفظة ما يفيد الأخذ بالشفعة في البيوعات القضائية، وسكوت المشرع لا يمكن تفسيره إلا بالرفض.

بينما يرى اتجاه آخر بأنه لا خلاف في أن البيع بالمزاد العلني من البيوعات التي تثبت فيها الشفعة للشريك، حضر أثناء المزايدة أم لم يحضر، وسواء علم بها في إبانها أم لم يعلم ولا يمكن القول بأن عدم مشاركة الشريك في المزايدة يسقط حقه في الشفعة لأن سبب ثبوت حقه في الشفعة الذي هو البيع ما زال لم يثبت بعد.

وقد تبلور عن هذين الاتجاهين اتجاه وسط يرى بأن الشفعة تثبت للشريك الذي لم يحضر في المزايدة، إذا لم يتم إعلامه بها أما إذا كان حاضرا في المزايدة ولم يشارك فيها أو استدعي ولم يحضر فإنه لا شفعة له.[31]

ونعتقد بأن الاتجاه الثاني له من الوجاهة والتبريرات ما يجعلنا نؤيده، فإذا كان الاتجاه الأول يفسر سكوت المشرع بالرفض، فنحن نفسره بالوجوب ونرى بأن المشرع لم يقصد المنع وسندنا في دلك أن العام يبقى على عمومه إلى أن يأتي ما يخصصه إضافة إلى ذلك، فإذا كانت الحكمة من مشروعية الشفعة هي رفع ضرر الأجنبي الذي قد لا يطيقه الشركاء فإن العلة حاضرة في البيوعات الرضائية كما في القضائية، ولما كان الحكم يدور وجودا وعدما مع العلة فإننا ننادي بحق الشريك في ممارسة الشفعة إن على مستوى البيوعات الرضائية أو على مستوى البيوعات القضائية.

أما بالنسبة للقضاء فقد صدر عن المجلس الأعلى قرار[32] في هذا الشأن يؤكد أنه متى كانت الشفعة هي الحق الثابت لكل من يملك مع آخر على الشياع عقارا أو حقوقا عينية في أن يأخذ الحصة المبيعة بدلا من مشتريها، فيكفي ممارستها ولصحة البت فيها توافر الشروط التي حددها القانون، ومن بينها وجود الشراء، دون استثناء ما تم شراءه بالمزاد العلني.

وهو نفس التوجه الذي كرسه المجلس الأعلى مرة ثانية في إحدى قراراته[33]، حيث أكد أـنه لا يوجد أي نص قانوني يحول دون ممارسة حق الشفعة للحصة المشاعة المفوتة عن طريق البيع بالمزاد العلني للغير داخل أجلها القانوني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة:

هكذا وبعد تطرقنا لإجراءات تحقيق الرهن الرسمي تبين أن مؤسسة الرهن لعبت دورا مهما في تحريك العقار من وضعيته الثابتة إلى أداة للائتمان أدمج من خلالها هذا الأخير في السوق الاقتصادية.

إلا أن ما لاحظناه – للأسف – من خلال استقرائنا للنصوص المنظمة لمسطرة تحقيق الرهن الرسمي أن هناك تطور واقعي لهذه المؤسسة وقصور تشريعي في النصوص المنظمة لها حيث أنها لم تعد تساير متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ما يستلزمه عالم المال والأعمال من سرعة.

ولهذا نناشد المشرع المغربي بالتدخل لجمع شتات النصوص القانونية المنظمة لهذه المؤسسة القانونية في مدونة واحدة، كما ننادي بضرورة إلغاء الفصل 10 و61 من المرسوم الملكي المؤرخ في 17 دجنبر 1968 المتعقل بالقرض العقاري والسياحي حتى يمكن المحافظين من الامتناع عن تقديم الشهادة الخاصة بالرهن إلا لمن كان يملك عقارات محفظة، لبعث الثقة في نفوس الدائنين المرتهنين وتقوية وتقوية ضماناتهم حتى تكون حقوقهم في مأمن من الضياع.

إضافة إلى ذلك ننادي المشرع بالحسم في الطبيعة القانونية للإنذار العقاري، وكذا التدخل للإلزام الراسي عليه المزاد بالتسجيل في الرسم العقاري حتى يسد الفراغ الحاصل البيع والتسجيل كما ننادي أيضا بإقرار حق الشريك على الشياع في الأخذ بالشفعة في البيوعات القضائية مع التقليص من الأجل المحدد المهدد لممارستها.

 

 



[1] - ينص الفصل 1141 من قانون الالتزامات والعقود على ما يلي :

"أموال المدين ضمان عام لدائنيه، ويوزع  ثمنها عليهم بنسبة دين كل واحد منهم ما لم توجد بنهم أسباب قانونية للأولوية:

[2] - محمد سلام: تحقيقي الرهن الرسمي في التشريع المغربي.

[3] - يوسف أفريل: الرهن الرسمي ضمانة بنكية للدائن المرتهن"، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2011، ص 15.

[4] - وفاء علامي، الإشكالات العملية في موضوع الإنذار العقاري، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة محمد الأول، وجدة، السنة الجامعي 2004/2005/، ص 4.

[5] - كما هو الشأن بالنسبة لديون الصندوق الوطني للقرض الفلاحي المستحقة على الفلاحين في سنوات الجفاف، أو ديون مؤسسة القرض العقاري والسياحي المسحوقة على المستثمرين في القطاع السياحي بعد حرب الخليج.

[6] - محمد سلام: "تحقيق الرهن الرسمي في القانون المغربي" مطبعة النجاح الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2002، ص12.

[7] - محمد سلام: مرجع سابق.

[8] - ينص الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود على ما يلي: "الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون.

[9] - ينص الفصل 157 من ظهير 2 يونيو 1915 المتعلق بالتشريع المطبق على العقارات المحفظة على ما يلي: الرهن الرسمي حق عيني عقاري على العقارات المخصصة لأداء الالتزام، وهو بطبيعته لا يتجزأ ويبقى بأكمله على العقارات المخصصة له وعلى كل جزء منها ويتبعها في أي يد انتقلت إليها.

[10] - مم يثير الانتباه بخصوص هذه النقطة أنها استثناء من المبدأ العام المضمن في قانون الالتزامات والعقود والذي يقضي بأن "المدين يعتبر في حالة مطل بمجرد حلول أجل الدين إذا كان هذا الأجل محدد، حيث جاء في الفصل 255 قلع ما يلي: "يصبح المدين في حالة مطل بمجرد حلول الأجل المقرر في السند المنشئ للالتزام.

  فإن لم يعين الالتزام أجل لم يعتبر المدين في حالة مطل إلا بعد أن يوجه إليه أو إلى نائبه القانوني إنذار صريح بوفاء الدين...".

   لكن المشرع المغربي تدخل في الفصل 205 الذي أحال بموجبه على الفصل 440 من قانون المسطرة المدنية الذي جاء فيه: يبلغ عون التنفيذ إلى الطرف المحكوم عليه، الحكم المكلف بتنفيذه ويعذره بأن يفي بما قضى به الحكم حالا أو بتعريفه بنواياه وذلك خلال أجل لا يتعدى عشرة أيام من تاريخ تقديم طلب التنفيذ..."؟

[11] - أبو عباد الله عبد الإله، "تعليق حول إجراءات التنفيذ العقاري من طرف قاضي المستعجلات"، مقال منور بمجلة المحاكم المغربية، العدد 53، ص 81.

[12] - وفاء علامي، مرجع سابق، ص 30.

[13] - الملاحظ أن الفصل 295 من قانون المسطرة المدنية الملغى كان يحدد أجل الوفاء في 20 يوما أما الفصل 440 الحالي فقد استغنى عن هذا الأجل، محاولة منه لإضفاء نوع من السرعة عن هذه العملية، خصوصا إذا تعلق الأمر بعمل تجاري، لكن المشرع المغربي تدارك الأمر بموجب القانون رقم 03.72 وحدد هذا الأجل في مدة أقصاها 10 أيام لكن إذا كان حائز العقار غير المالك فإن المشرع حدد له أجل 15 يوم في الفصل 187 إما بأداء المبلغ أو التخلي عن العقار وهو نفس الأجل الذي تضمنه الفصل 57 من مرسوم 17 دجنبر 1968.

[14] - إبراهيم بحماني: "تنفيذ الأحكام العقارية، مكتبة دار السلام، الطبعة الثانية، ص 48.

[15] - محمد سلاك، مرجع سابق، ص 37.

[16] - محمد فركت، مرجع سابق، الرهن الرسمي والإجراءات المسطرية، مقال منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد 66، ص93.

[17] - محمد فركت، نفس المرجع، ص 95.

[18] - محمد سلام، مرجع سابق، ص

[19] - يونس الزهري، "الحجز التنفيذي على العقار في القانون المغربي"، المطبعة والوراقة الوطنية، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، 2007، ص

[20] -

[21] - محمد سلام، مرجع سابق، ص ص82.

[22] - يونس الزهري، مرجع سابق، ص 228.

[23] - يوسف أفريل، مرجع سابق، ص 193.

[24] - عبد العزيز توفيق، شرح قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي، الجزء الثاني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية 1993، ص 339.

[25] - محمد سلام، مرجع سابق، ص

[26] - محمد خيري، قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، دار نشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة الرباط الطبعة الخامسة 2009.

[27] -

[28] - يوسف أفريل، مرجع سابق، ص 194.

[29] - محمد سلام، مرجع سابق، ص 95.

[30] - يونس الزهري، مرجع سابق، ص 249.

[31] - محمد سلام، مرجع سابق، ص 90.

[32] - قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 24/01/1981 تحت عدد 22 في الملف المدني عدد 77021 منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 35، ص 74.

[33] -   

معلومات إضافية